أبو علي سينا

331

الإشارات والتنبيهات ( شرح نصير الدين الطوسي وشرح شرح الرازي ) ( نشر الكتاب )

ثم بين أن هذا التعذيب - إنما يكون شرا بالقياس إلى الشخص المعذب - ويكون خيرا بالقياس إلى الأكثرين من نوعه - ولا يلتفت لفت الجزئي لأجل الكلي - أي لا ينظر إليه - فهذا أيضا من جملة الخير الكثير - الذي يلزمه شر قليل - واستشهد بقطع العضو لصلاح البدن - فإن الحكم بوجوب ذلك - وإن كان مشتملا على شر ما مقبول عند الجمهور - وقد تبين من ذلك أن ما ورد به التنزيل - إذا حمل على ظاهره - لم يكن مخالفا للأصول الحكمية - وبعض المتكلمين المنكرين لتلك الأصول كالمعتزلة إنما يقررون ذلك على وجه آخر - وهو قولهم تكليف العباد واجب على الله تعالى أو حسن منه - إذ في ذلك صلاح حالهم العاجلة والآجلة - والوعد والوعيد على الطاعة والمعصية حسنان - إذ فيهما تقريبهم إلى طاعته وتبعيدهم عن معصيته - وتعذيب العاصين عدل منه حسن - والإخلال بإثابة المطيعين ظلم قبيح - إلى أمثال ذلك مما يبنونه على مقدمات مشهورة - مشتملة على تحسين بعض الأحكام - وتقبيح بعضها بحسب العقل - يعدونها من البديهيات -

--> وان لم يأول توقف القبول به على اثبات المعاد الجسماني . وحينئذ لو سئل وقيل : لم يعاقب فان أريد أن غرض اللَّه تعالى من العقاب أي شئ هو . سقط السؤال لان افعاله تعالى منزهة عن الاغراض وإن كان السؤال عن سبب العقاب فجوابه ظاهر . وهو انه لما ارتكب الافعال المنهية عاقبه اللَّه تعالى على عصيانه . نعم يرد السؤال على وجه وجيه وهو ان اللَّه تعالى خير محض بالذات والعقوبة شر محض فكيف صدرت من اللَّه تعالى . وجواب الشيخ عن هذا الوجه وتحرير جوابه أن يقال : لما كانت نفس الانسانية في علم الباري قابلة للكمالات فكانت الحكمة العالية اقتضت إفاضة تلك الكمالات لكن بحسب استعدادات يحصل لها من أفاعيلها وكان فيها قوى يمنعها من تلك الأفاعيل إلى أفاعيل تضادها قدر تكليفا وتخويفا يكون من أسباب ارادته الافعال الجميلة ولما كان الوفاء بذلك التخويف أيضا من أسباب ذلك مؤكدا له . والوفاء بالتخويف العقوبة . لا جرم صار العقوبة سببا من أسباب إرادة الأفاعيل الجميلة . غاية ما في الباب ان العقوبة يكون شرا بالقياس إلى الشخص المعذب لكنها لما كانت سببا لكمالات ساير النفوس لم يلتفت إلى ذلك فان ترك الخير الكثير لأجل الشر اليسير شر كثير . ثم لما لم يكن بد من أن يكون لذلك التكليف شارع وحافظ بعث الأنبياء والرسل لذلك . فهذه كلها أسباب لصدور الفعل الخير من النفس